فخر الدين الرازي

114

تفسير الرازي

ثم قال : * ( مَآ أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ ) * . * ( ما أغنى ) * نفي أو استفهام على وجه الإنكار أي أي شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار ، ونظيره قوله : * ( ويأتينا فرداً ) * وقوله : * ( هلك عني سلطانيه ) * في المراد بلسطانيه وجهان : أحدهما : قال ابن عباس : ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا ، وقال مقاتل : ضلت عني حجتي يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك والثاني : ذهب ملكي وتسلطي على الناس وبقيت فقيراً ذليلاً ، وقيل معناه : إنني إنما كنت أنازع المحقين بسبب الملك والسلطان ، فالآن ذهب ذلك الملك وبقي الوبال . واعلم أنه تعالى ذكر سرور السعداء أولاً ، ثم ذكر أحوالهم في العيش الطيب وفي الأكل والشرب ، كذا ههنا ذكر غم الأشقياء وحزنهم ، ثم ذكر أحوالهم في الغل والقيد وطعام الغسلين ، فأولها أن تقول : خزنة جهنم خذوه فيبتدر إليه مائة ألف ملك ، وتجمع يده إلى عنقه ، فذاك قوله : * ( فغلوه ) * وقوله : * ( ثم الجحيم صلوه ) * قال المبرد : أصليته النار إذا أوردته إياها وصليته أيضاً كما يقال : أكرمته وكرمته ، وقوله : * ( ثم الجحيم صلوه ) * معناه لا تصلوه إلى الجحيم ، وهي النار العظمى لأنه كان سلطاناً يتعظم على الناس ، ثم في سلسلة وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل ، وقوله : * ( ذرعها ) * معنى الذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد ، يقال : ذرع الثوب يذرعه ذرعاً إذا قدره بذراعه ، وقوله : * ( سبعون ذراعاً ) * فيه قولان : أحدهما : أنه ليس الغرض التقدير بهذا المقدار بل الوصف بالطول ، كما قال : إن تستغفر لهم سبعين مرة يريد مرات كثيرة والثاني : أنه مقدر بهذا المقدار ثم قالوا : كل ذراع سبعون باعاً وكل باع أبعد مما بين مكة والكوفة ، وقال الحسن : الله أعلم بأي ذراع هو ، وقوله : * ( فاسلكوه ) * قال المبرد : يقال سلكه في الطريق ، وفي القيد وغير ذلك وأسلكته معناه أدخلته ولغة القرآن سلكته قال الله تعالى : * ( ما سلككم في صقر ) * وقال : * ( سلكناه في قلوب المجرمين ) * ( الشعراء : 200 ) قال ابن عباس : تدخل السلسلة من دبره وتخرج من حلقه ، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه ، وقال الكلبي : كما يسلك الخيط في اللؤلؤ ثم يجعل في عنقه سائرها ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الفائدة في تطويل هذه السلسلة ؟ الجواب : قال سويد بن أبي نجيح : بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة ، وإذا كان الجمع من الناس مقيدين بالسلسلة الواحدة كان العذاب على كل واحد منهم بذلك السبب أشد .